محمد رأفت سعيد

177

تاريخ نزول القرآن الكريم

سنة فأنزل الله هذه السورة ، وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) يعنى من الأصنام والأنداد ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وهو الله وحده لا شريك له ، ف « ما » هاهنا بمعنى من ، ثم قال : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدى بها ، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه ولهذا قال : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) [ النجم ] فتبرّأ منهم جميع ما هم فيه فإن العابد لا بدّ له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأتباعه يعبدون الله بما شرعه ولهذا كانت كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله أي لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله ولهذا قال لهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) » كما قال تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) [ يونس ] ، وقال : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ [ الشورى : 15 ] . وهذا التكرار في الآيات الكريمة يوجه إلى واحد من المعاني الآتية : الأول : التأكيد على هذه التفرقة بين الحق الذي عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وبين الباطل الذي عليه الكافرون ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 6 ) [ الشرح ] وحكاه كذلك ابن الجوزي وغيره عن ابن قتيبة . والثاني : ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) أي في الماضي وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) في المستقبل . الثالث : ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المراد بقوله « لا أعبد ما تعبدون » نفى الفعل لأنها جملة فعلية ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) نفى قبوله لذلك بالكلية ؛ لأن النفي بالجمة الاسمية آكد فكأنّه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك ، ومعناه نفى الوقوع ، ونفى الإمكان الشرعي أيضا . وبهذا التأكيد وهذا القطع في السورة الكريمة يعرف المؤمنون والكافرون أن الإيمان والكفر لا يلتقيان ، وأن المساومة من الكافرين على العقيدة والمبادئ مرفوضة ، فالمؤمنون بربهم يعبدونه وحده لا شريك له ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، والكافرون